الطبراني

123

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله تعالى : قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي ؛ أي فبما أضللتني عن الهدى ، لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) ؛ أي لأرصدنّ على طريق بني آدم ، وأصدّهم عن دينك المستقيم . وقال الحسن : ( معنى : ( أَغْوَيْتَنِي ) لعنتني ) . وقيل : ( أغويتني ) خيّبتني ، وقد يكون الغوى بمعنى الخيبة . وقيل : ( أغويتني ) أي أهلكتني . قوله تعالى : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ؛ قال ابن عبّاس : ( معناه : أنّ إبليس قال : لآتينّهم من قبل آخرتهم ؛ فلأخبرنّهم أنّه لا جنّة ولا نار ، ولا بعث ولا حساب ) . « 1 » وَمِنْ خَلْفِهِمْ ؛ أي من قبل دنياهم ؛ فلآمرنّهم بجمع المال مخافة الفقر وأن لا يؤدوا حقّه ، وَعَنْ أَيْمانِهِمْ ؛ أي من قبل دينهم فأبيّن لهم ضلالتهم ، وإن كانوا على هدى شبّهته عليهم حتى أخرجهم منه ، وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ؛ أي من قبل اللّذات والشّهوات فأزيّنها لهم ، وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ( 17 ) ؛ لنعمتك . وقال السّدّيّ : ( معنى : ( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ) أراد الدّنيا أغويهم إليها ، « 2 » ( وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) فمن الآخرة أشكّكهم فيها وأبعدها عليهم ، ( وَعَنْ أَيْمانِهِمْ ) قال : الحقّ أشكّكهم فيه ، ( وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ) قال : الباطل أخفيه عليهم وأرغّبهم فيه ) . « 3 » وقيل : أراد بقوله ( وَعَنْ أَيْمانِهِمْ ) من جهة الحسنات أغفلهم عنها ، ( وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ) يعني من جهة السيّئات ، فإنّ الحسنات تضاف إلى اليمين ، والسيّئات تضاف إلى الشمال . وقيل : معنى الآية : ثم لأحتالنّ في إغوائهم من كلّ وجه . قال قتادة : ( أتاك يا ابن آدم من كلّ وجه ، غير أنّه لا يستطيع أن يحول بينك وبين رحمة ربك ، إنّما تأتيك الرّحمة من فوقك ) . « 4 »

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 11174 و 11175 ) ولفظه قريب للفظ قتادة . ( 2 ) عند الطبري : ( أدعوهم إليها ) . ( 3 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 11178 ) . ( 4 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 11175 ) ، وفيه : ( غير أنه لم يأتك من فوقك ، لم يستطع . . . ) .